محمدحسن القبيسي العاملي
325
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
الشعر حربا بين قبيلتين في الحين الذي كان يمكن ان يصير سببا للصلح بينهما وان طالت مدة عداوتهما وخصومتهما ولما لم يكن لهم علم بالكتابة في العصر الجاهلي كانت صدورهم خزانة علومهم من اللغة والصرف والنحو والشعر والخطابة وكان لكل شاعر ديوان شعر ناطق وهو شخص يحفظ اشعاره ويقال له الراوية ، نعم انما علمهم الموالي الكتابة بعد الفتوحات الاسلامية ، ونتيجة لانحصار علومهم بما تجود به القريحة وانحصار الضابط لتلك العلوم بالحفظ عن ظهر القلب مع تلك الحافظة الصحراوية القوية كثر فيهم الحفاظ حتى أن الناظر في تاريخ الأدب العربي يتحير من الأرقام والكميات الكثيرة التي ينسبونها إلى حفاظ الاشعار من الاشعار التي حفظوها ، وان كان العجب في غير محله بعد ملاحظة ان ذلك كان مسببا عن أمور كثيرة أوجب للعرب حفظ كمية من الاشعار ، وقد رأينا نحن في العجم أيضا حفاظا كثيرين فكان لنا صديق نقل لنا حفظه مائة الف من اشعار الخاقاني والقاآني واضرابهما ممن ينظم القصائد الطوال المشتملة على اللغات الصعبة والغريبة ، وكان لنا صديق آخر قال : انا احفظ ستين الف بيتا من الشعر ، وقد ذكر السيد الجزائري عليه الرحمة في الأنوار النعمانية نماذج من قضايا الحفظ العربي ، ثم أن الحافظة الصحراوية القوية التي قلنا إنها كانت بمنزلة كتاب أو ديوان أو خزانة للعلوم ، لم تكن منحصرة بفرد أو فردين بل الذهن الوقاد والحافظة القوية كانا من مزايا العرب في مستواه العام وقد نزل القرآن في مثل هذا الوسط الأدبي والمجتمع العارف باللسان وأسلوبه والصاعد إلى أعلى مدارج الكلام . وكان القرآن كتابا للقانون والشرع معجزة خالدة للنبي ص في فصاحته وبلاغته ، مضافا إلى اشتماله على الحكم والمواعظ والعبر والقصص والاحكام والاخلاق ، وحينما سمع العرب هذا الكلام المعجز الذي تفوق على كل كلام أدبي موزون كانوا يسمعونه من ذي قبل من لدن الشعراء والخطباء اندهشوا